أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

102

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أصناما آلهة ، تبيينا لذلك وتقريرا ، وهو داخل في حكم الإنكار ، لأنه كالبيان له « وفعلى هذا » « أزرا » منصوب بفعل محذوف ، يدل عليه المعنى ، ولكن قوله : « وهو داخل في حكم الإنكار ، يقوى أنه لم يقرأ « أَ تَتَّخِذُ » بهمزة الاستفهام ، لأنه لو كان معه همزة استفهام لكان مستقلا بالإنكار ، ولم يحتج أن يقول : هو داخل في حكم الإنكار ، لأنه كالبيان له » . وقرأ ابن عباس أيضا ، وأبو إسماعيل الشامي : « أئزرا » بهمزة استفهام بعدها همزة مكسورة ، ونصب الراء منونة ، فجعلها ابن عطية بدلا من « واو » ، اشتقاقا من « الوزر » ، ك « إسادة » و « إشاح » في « وسادة » ، و « وشاح » . « وقال أبو البقاء » : وفيه وجهان : أحدهما : أن الهمزة الثانية فاء الكلمة ، وليست بدلا من شيء ، ومعناها « النقل » . وجعله الزمخشري اسم صنم ، والكلام فيه كالكلام في « أأزرا » المفتوح الهمزة ، وقد تقدم . وقرأ الأعمش « إزرا تتّخذ » بدون همزة استفهام ، ولكن بكسر الهمزة ، وسكون الزاي ، ونصب الراء منونة ، ونصبه واضح مما تقدم . و « تَتَّخِذُ » يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين بمعنى التصييرية ، وأن تكون المتعدية لواحد ، لأنها بمعنى « عمل » . ويحكي في التفسير أن كان ينحتها ويصنعها . والجملة الاستفهامية في محل نصب بالقول ، وكذلك قوله : « إِنِّي أَراكَ » . و « أَراكَ » يحتمل أن تكون العلمية ، وهو الظاهر ، فتتعدى لاثنين ، وأن تكون بصرية ، وليس بذاك ، ف « في علال » حال . وعلى كلا التقديرين تتعلق بمحذوف ، إلّا أنه في الأول أحد جزأي الكلام ، وفي الثاني فضلة . و « مُبِينٍ » اسم فاعل من « أبان » ، لأنها بمعنى ظهر ، ويجوز أن يكون من المتعدي ، والمفعول محذوف ، أي : مبين كفركم بخالقكم . وعلى هذا فقول ابن عطية : ليس بالفعل المتعدي المنقول من : « بان ، يبين » غير مسلم . وجعل الضلال ظرفا محيطا بهم مبالغة في اتصافهم به ، فهو أبلغ من قوله : « أراكم ضالين » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 75 ] وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) قوله : وَكَذلِكَ . في هذه الكاف ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها للتشبيه ، وهي في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، فقدره الزمخشري : ومثل ذلك التعريف والتبصير ، نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت . « وقدّره المهدوي » : وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم . قال الشيخ « 1 » : وهذا بعيد من دلالة اللفظ . « قلت : إنّما كان بعيدا ، لأن المحذوف من غير الملفوظ به . ولو قدّره بقوله : وكما أريناك يا محمد الهداية ، لكان قريبا ، لدلالة اللفظ والمعنى معا عليه . وقدّره أبو البقاء بوجهين : أحدهما : قال : « هو نصب على إضمار « أريناه » ، تقديره : وكما رأى أباه ، وقومه في ضلال مبين أرينا ، ذلك ، أي : ما رآه صوابا بإطلاعنا إيّاه عليه . والثاني : قال : يجوز أن يكون منصوبا ب « نُرِي » التي بعده على أنه صفة لمصدر محذوف ، تقديره : نريه ملكوت السّموات والأرض رؤية كرؤية ضلال أبيه انتهى . « قلت : فقوله : على إضمار « أريناه » لا حاجة إليه البتة ، ولأنه يقتضي عدم ارتباط قوله : نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ ، بما قبله .

--> ( 1 ) البحر ( 4 / 165 ) .